يرى إران ليرمان، نائب المدير السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي ونائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن، أن إسرائيل مطالبة بمراقبة علاقاتها مع مصر والأردن، باعتبارهما أقدم شريكين لها في اتفاقات السلام، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها على جبهات عدة.

 

ويشير ليرمان إلى أن البلدين يواجهان ضغوطًا داخلية وإقليمية، وأن بعض سياساتهما الأخيرة تثير مخاوف إسرائيلية، لكنه لا يرى في الوقت الراهن مؤشرات على انهيار اتفاقي السلام أو توجه أي من البلدين نحو مواجهة عسكرية مع إسرائيل.


ووفقًا لموقع جويش نيوز سينديكت، صمدت العلاقات بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، خصوصًا في المجالات الأمنية والبنية التحتية، رغم استمرار العداء الشعبي الواسع. وفي المقابل، تسعى تركيا وقطر وباكستان والسعودية إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي وجذب مصر والأردن إلى دوائر نفوذها. ولم تنضم مصر إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي أُبرم في مكة، وتؤكد القاهرة أنها تنتهج سياسة متوازنة، بينما تتعمق في الوقت نفسه أوجه التعاون العسكري بينها وبين تركيا.

 

وقبل سنوات قليلة، كانت القاهرة تنظر إلى أنقرة باعتبارها منافسًا أيديولوجيًا واستراتيجيًا خطيرًا، لكن تركيا تسعى حاليًا إلى ضم مصر إلى تكتل إقليمي بدأ البعض يطلق عليه اسم «ستيب» (STEP)، ويضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان.


سلام بارد مع مصر والأردن رغم استمرار التعاون


تختلف علاقات إسرائيل مع مصر والأردن بصورة واضحة عن علاقاتها الأكثر دفئًا مع الإمارات والبحرين والمغرب في إطار «اتفاقات أبراهام». إذ تتركز العلاقات مع القاهرة وعمان إلى حد كبير في القنوات الحكومية والأمنية وبعض الأنشطة التجارية المحدودة، بينما يظل العداء الشعبي قويًا في البلدين، مدفوعًا بالحرب الحالية وبمواقف منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية المناهضة للتطبيع. ومع ذلك، يستمر التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح العملية للجانبين.


وتوفر إسرائيل حاليًا نحو سدس احتياجات مصر من الغاز الطبيعي، بما يساعد الاقتصاد المصري الذي يواجه ضغوطًا كبيرة. كما يتيح نظام المناطق الصناعية المؤهلة «كويز» (QIZ) للمصنعين المصريين الاستفادة من مزايا جمركية في السوق الأمريكية، شريطة احتواء منتجاتهم على نسبة محددة من المدخلات الإسرائيلية.


أما الأردن، فيرتبط باتفاق تجارة حرة خاص مع الولايات المتحدة، لكن المياه تظل أحد أبرز مجالات الاعتماد على إسرائيل. إذ تعاني المملكة محدودية شديدة في موارد المياه، بالتزامن مع نمو سكاني سريع، ولذلك تظل ترتيبات المياه التي أرساها اتفاق السلام وما تلاه من اتفاقات ذات أهمية كبيرة.


وتعمل السفارتان الإسرائيليتان في مصر والأردن بشكل أساسي من القدس بسبب التهديدات الأمنية، لكن الاتصالات الأمنية والاستخباراتية بين الجانبين لا تزال نشطة. كما يشارك ممثلون مصريون وأردنيون في مركز التنسيق المدني العسكري بمدينة كريات غات تحت مظلة أمريكية، بما يشمل التنسيق بشأن القوة الدولية المقترحة لتحقيق الاستقرار في غزة.


مصر بين التقارب مع تركيا والمصالح المشتركة مع إسرائيل


لم تتغير المواقف الدبلوماسية الأساسية لمصر تجاه إسرائيل؛ إذ تواصل القاهرة التأكيد على الحقوق الفلسطينية وانتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية، كما تدعو بين الحين والآخر إلى إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للتفتيش. وفي المحافل الدولية، غالبًا ما تؤيد مصر أو تقود تحركات تنتقد إسرائيل.


ويتمثل القلق الأكثر إلحاحًا في احتمال انضمام مصر مستقبلًا إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026. فقد شاركت مصر بالفعل في تدريبات عسكرية مع تركيا، واتخذ البلدان موقفًا مشتركًا يعارض الوجود الاستراتيجي الإسرائيلي في أرض الصومال.


وقد يثير هذا التحول تساؤلات بشأن التزامات مصر بموجب معاهدة السلام الموقعة عام 1979، بما في ذلك البند الذي يمنح المعاهدة أولوية على الالتزامات الأخرى. وتزايدت بعض المخاوف في إسرائيل بفعل تحركات أطراف خارجية، بينها قطر، لكن لا توجد مؤشرات على استعداد مصر لشن هجوم مفاجئ أو السعي إلى انتهاك المعاهدة. ومع ذلك، يستدعي تعمق العلاقات المصرية التركية مراقبة وثيقة من الجانب الإسرائيلي.


وفي الوقت نفسه، تظل لدى مصر وإسرائيل مصالح استراتيجية مشتركة مهمة. فقد أظهر الهجوم الإيراني على منشأة الغاز في دمياط أن مصر أصبحت هدفًا لجهود طهران الرامية إلى تعطيل منظومة الطاقة العالمية، وهو ما يمس إسرائيل مباشرة في ظل روابطها في مجال الطاقة مع مصر.


كما تهدد عودة نشاط الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مصالح البلدين. فاضطراب حركة الملاحة في قناة السويس يضر بمصدر رئيسي للعملة الأجنبية في مصر، بينما يهدد إسرائيل في طرق الشحن الاستراتيجية. وقد تجنبت القاهرة حتى الآن الانخراط العلني في مواجهة الحوثيين، لكن تجدد القتال في اليمن قد يدفعها إلى إعادة حساباتها.


وتشكل غزة مجالًا آخر لتقاطع المصالح. فمصر تعارض العديد من السياسات الإسرائيلية في القطاع، لكنها تشترك في مصلحة واضحة تتمثل في منع حركة حماس، بوصفها حركة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، من استعادة السيطرة على غزة. ورغم الخلافات بشأن «خارطة طريق مجلس السلام» المكونة من 15 نقطة الخاصة بغزة، قد تظل هناك مساحة للتنسيق بشأن الدور اللوجستي الذي يمكن أن تؤديه القاهرة في المراحل الأولى من إطار تدريجي يستهدف توفير بدائل لجزء من سكان القطاع.


الأردن: توتر متصاعد وتنسيق أمني مستمر


شهدت العلاقات بين الأردن وإسرائيل بدورها تراجعًا حادًا. وشكل قرار الملك عبدالله الثاني عام 2019 استعادة مناطق حدودية كانت مؤجرة لإسرائيليين لمدة 25 عامًا نقطة تحول مهمة. كما عقد آخر لقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والعاهل الأردني في مطلع عام 2023.

 

ومنذ ذلك الحين، اتخذ عبدالله موقفًا علنيًا أكثر حدة تجاه إسرائيل، خصوصًا في ظل مخاوفه من أن تؤدي السياسات الإسرائيلية إلى تهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية.


وأثارت السياسة الأردنية تجاه سوريا مخاوف إسرائيلية أيضًا. فعلى الرغم من نجاح المملكة نسبيًا في احتواء النشاط الجهادي داخل أراضيها، لم تقدم دعمًا كبيرًا خلال أعمال العنف الخطيرة التي شهدتها منطقة السويداء الدرزية رغم قربها الجغرافي. كما قد يؤدي تقارب عمان ودمشق إلى زيادة النفوذ التركي في حال توسع اتفاق مكة ليشمل دولًا سنية أخرى.


ويشكل تعامل الأردن مع المتورطين في أعمال إرهابية مصدرًا آخر للتوتر. فقد أُدينت أحلام التميمي لدورها في تفجير مطعم «سبارو» في القدس، وأُفرج عنها في صفقة لتبادل الأسرى عام 2011، ثم طُلب منها مغادرة الأردن مطلع عام 2025، لكنها لم تُسلّم إلى الولايات المتحدة ولا تزال تعيش وتتحرك داخل المملكة.


ورغم هذه التوترات، يظل التعاون الأمني ذا أهمية كبيرة. فقد عمل الأردن تحت قيادة القيادة المركزية الأمريكية للمساعدة في اعتراض هجمات إيرانية بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة استهدفت إسرائيل خلال أعوام 2024 و2025 و2026. كما تعرض الأردن نفسه لهجمات إيرانية بسبب الوجود العسكري الأمريكي على أراضيه.


ويشترك الأردن مع إسرائيل في مصلحة منع تحول الأراضي الأردنية إلى قاعدة للإرهاب وتهريب الأسلحة. وقد حققت المملكة نجاحًا أكبر في مكافحة الإرهاب مقارنة بمكافحة التهريب، ما يجعل استمرار التنسيق بين الأجهزة الأمنية أمرًا مهمًا.


وكما هو الحال مع مصر، يحرص الأردن على منع حماس من حكم غزة أو السيطرة على السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية. كما توجد لدى عمان مصلحة أقل إعلانًا تتمثل في استمرار نظر إسرائيل إلى غور الأردن باعتباره حاجزًا استراتيجيًا.


وتوفر القدس مجالًا آخر لتقاطع المصالح. فبموجب معاهدة السلام، تحظى الأسرة الهاشمية بدور خاص فيما يتعلق بالأماكن المقدسة للمسلمين في الحرم القدسي. وقد تواجه حكومة فلسطينية مستقبلية هذا الدور أو تسعى إلى انتزاعه من العاهل الأردني، ما يمنح عمان مصلحة في الحفاظ على الوضع السياسي الراهن.


ما الذي ينبغي لإسرائيل فعله؟


يظل الحفاظ على اتفاقي السلام مع مصر والأردن مصلحة إسرائيلية حيوية، رغم المخاوف التي تثيرها بعض سياسات البلدين. وينبغي لإسرائيل تجنب الخطوات التي قد تدفع رئيس الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي أو العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى تبني مواقف أكثر حدة ضدها تحت ضغط الرأي العام الداخلي.


وفي الوقت نفسه، ينبغي لإسرائيل العمل مع شركائها الإقليميين والدوليين لإعادة تفعيل قنوات دبلوماسية رفيعة المستوى وطمأنة حكومتي القاهرة وعمان بشأن نواياها تجاه السكان الفلسطينيين.


كما يتعين على إسرائيل، خصوصًا في تعاملها مع مصر، توضيح المخاطر طويلة الأمد للانخراط بصورة أعمق في دائرة نفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقد تتمكن دول صديقة في شرق البحر المتوسط من دعم هذه الرسالة.

 

وتظل روابط البنية التحتية إحدى أدوات النفوذ الإسرائيلية. وقد تؤثر الترتيبات غير المحسومة في سلوك الأطراف على المدى القصير، فيما يصب تعميق اعتماد مصر والأردن على إسرائيل في قطاعات البنية التحتية الحيوية في خدمة المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية على المدى الطويل.


وتظل واشنطن طرفًا مهمًا كذلك. وحتى إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مترددًا في ممارسة ضغوط على حكومات يعتبرها حليفة، يستطيع الكونجرس الأمريكي تذكير القاهرة وعمان بصورة هادئة بأن حجم المساعدات العسكرية الأمريكية يرتبط بالتزامهما المستمر بالسلام مع إسرائيل.


وتظل العلاقات الإسرائيلية مع مصر والأردن باردة وتزداد توترًا، لكنها تستند إلى مصالح أمنية واقتصادية واستراتيجية راسخة تمنح إسرائيل أسبابًا قوية للحفاظ عليها.

 

https://www.jns.org/analysis/israels-cold-peace-with-egypt-and-jordan-faces-new-regional-strains